حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

54

شاهنامه ( الشاهنامه )

وضحك ، واستحضر سابور فساءله وضحك إليه . فاعترف بأنه ولده ، وأخبره بقصته مع أنه . فاستبشر الملك وامتلأ سرورا . وعاد به إلى إيوانه وأمر فنثروا عليه الجوهر حتى انغمر الصبى فيه . ثم تناول الملك بيده واستخرجه من وسط النثار . وفرّق أموالا كثيرة على الفقراء ، وزين إيوان بيت النار بالديباج وألوان الثياب . وجلس مع أركان دولته وخواص حضرته في مجلس الأنس وقال : إن العاقل لا ينبغي له أن يعدل عن قول عالم الهند . فإنه أخبر أنه لا يستقر تخت سلطتنا ، ولا تستمر سعادة أيامنا ، ولا تنتظم أحوال ملكنا ولا تلتئم مصالح دولتنا إلا حين يختلط نسبنا بنسب مهرك . وقد صح الآن ذلك . فإنه منذ ثمان سنين ، من حيث ولد أورمزد ، لم يدر علينا الفلك إلا بما نريد . وقد استتب لنا ملك الأقاليم السبعة ، وأدركنا قصارى البغية ونهاية المنية . ذكر نبذ من سير أردشير وحسن تدبيره حكى أن أردشير جد واجتهد ، فأسس مباني العدل ومهد ، ورفع قواعد السياسة وشيد . قال : فاسمع الآن ما نورد من سيره ومستحسن تدبيره وتناج رأيه وعقله . فمن ذلك أنه أحب أن تتكاثر جنوده وتتضاعف جيوشه فنفذ إلى أطراف بلاده وأقطار ممالكه ، وألزم كل من رزق ابنا أن يعمله آداب الفروسية ومراسمها . حتى إذا استكمل أسباب ذلك وأحكمها واستوفى أقسامها واستوعبها صار إلى باب الملك فكتب العارض في جريدة الجيش اسمه ويعطيه من المعيشة رسمه ، فإذا عرض حرب أو حدث خطب سار تحت راية بهلوان الجيش ، وو كل على كل ألف منهم موبذا خبيرا الأمور عارفا بأحوال الجمهور ، وجعله عليهم كالرقيب يخبره بما يرى من غنائهم ، ويطلعه على شجاعهم وجبانهم . فيأمر الملك حينئذ بإكرام الشجاع وإثباته في ديوان الجيش ، وبإسقاط الجبان وتعريضه لما يتأتى منه من الحرف والأشغال . ولم يزل ذلك دأبه حتى جمع جنودا كاد يغص بهم فضاء الأرض ولا يسعهم نطاق العدوّ والحصر . ومن سيرته أنه كان لا يستخدم في ديوانه جاهلا ولا يستعمل فيه إلا من كان عالما . وكان ذا عناية بمن يكون حسن الخط فصيح القلم بارعا في البلاغة . فمن كان حظه من الأدب والفضل أوفر كان بنيل أفضاله أحرى وأجدر . وكان يعظم الكتبة ويكرمهم ويقول : إنهم خزنة سرى ، وأنسباء روحي . وكان إذا أنفذ منهم واحدا إلى طرف من أطراف المملكة أوصاه وقال : لا تبع جواهر الرجال بأعراض الأموال ، ولا يكن لك مطلوب سوى الصلاح والسداد ، وتجنب عن مظان الحرص والفساد ، ولا تستصحب من أولادك وأقاربك أحدا ، وحسبك بمن نضم إليك عونا وملتحدا ، واجعل عليك للفقراء كل شهر راتبا لا تخل به . ومن يحسدك فأحرمه معروفك ولا تعتن بأمره .